القاضي عبد الجبار الهمذاني

151

شرح الأصول الخمسة

عالما لذاته . ثم يقال لهم : الاستواء هاهنا بمعنى الاستيلاء والغلبة ، وذلك مشهور في اللغة . قال الشاعر : فلما علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر وقال آخر : قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق فالحمد للمهيمن الخلاق فإن قالوا : إنه تعالى مستول على العالم جملة ، فما وجه تخصيص العرش بالذكر ؟ قلنا : لأنه أعظم ما خلق اللّه تعالى فلهذا اختصه بالذكر . وقد قيل : إن العرش هاهنا بمعنى الملك ، وذلك ظاهر في اللغة يقال : ثلّ عرش بني فلان ، أي إذا زال ملكهم . وفيه يقول الشاعر : إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم * وأودت كما أودت حمير وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي . وقد تعلقوا أيضا بقوله تعالى : وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي قالوا : فأثبت لنفسه العين ، وذو العين لا يكون إلا جسما . والأصل في الجواب عن ذلك ، أن المراد به لتقع الصنعة على علمي ، والعين قد تورد بمعنى العلم ، يقال جرى هذا بعيني أي جرى بعلمي . ولولا ما ذكرناه وإلا لزم أن يكون للّه تعالى عيون كثيرة ، لأنه قال : « بأعيننا » والعلوم خلاف ذلك . كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ . وقد تعلقوا بقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ قالوا : فأثبت لنفسه الوجه ، وذو الوجه لا يكون إلا جسما . وجوابنا عن هذا ، أن المراد به كل شيء هالك إلا ذاته أي نفسه ، والوجه بمعنى الذات مشهور في اللغة ، يقال : يقال : وجه هذا الثوب جيد ، أي ذاته جيدة وبعد ، فلو كان الأمر على ما ذكروه ، للزم أن ينتفي كل شيء منه إلا الوجه ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .